print اطبع
send أرسل لصديق
القيم الإنسانية المتشركة

كيفما عرفنا الحضارة فإنه يجب أن نقر بأن الصفة الإنسانية  بمعنى: امتلاك الاتجاه العام لخدمة الإنسان وتطوير إمكاناته الذاتية والعرضية  - هي أهم مقوماتها بلا ريب .

ولا يمكن أن يتسم أي مذهب أو تخطيط أو حتى مجرد سلوك بالسمة الحضارية إلا إذا  اتسم بالصفة الإنسانية.

والصفة الإنسانية، عبر إدراكات الوجدان ، وبلا حاجة إلى استدلال، تلازم الإيمان  بمجموعة من القيم المطلقة والمشتركة ، فلا يمكن أن نفترض النسبية في كل شيء ثم  نفترض وجود خصائص إنسانية فإن ذلك يستبطن نوعاً من التناقض ؛ 

مفاده: الاعتراف - من جهة - بأن الإنسان له هويته المتفردة جزئياً - إن لم يكن  التفرد كلياً - ورفض أي تمايز إنساني أو قيمة ثابتة فيه من جهة أخرى.

فما هي هذه السمة الثابتة المميزة؟ 

إن الجواب الوجداني (ونؤكد على وجدانيته لأن ذلك يغنينا عن الاستدلال) هو : الفطرة الإنسانية.

والمقصود بالفطرة هو أن الإنسان مخلوق إلهي، أودعت الحكمة الإلهية في وجوده  وطينته الأصلية مجموعة من القضايا البديهية والقدرات العقلية والميول والغرائز التي  تضمن له سيراً طبيعياً نحو تكامله المرسوم له.

وكل الحضارات والمذاهب والأديان إنّما جاءت لتثير له دفائن العقول - كما يعبر  الإمام علي(ع) - وتهيئ الجو المناسب لبروز هذه الطاقات الكامنة على سطح حياته؛  فتهديه سبيلاً يختلف كل الاختلاف عن السلوك الذي تسلكه الحيوانات العجماء التي لا  تتمتع بما يتمتع به من طاقات.

أما القضايا البديهية فهي التي تمنحه القدرة على المعرفة: معرفة نفسه ومعرفة  الكون والواقع، وفلسفة الوجود والعلاقات القائمة بين الأشياء وتلك من قبيل: الإيمان  بمبدأ العلية، والإيمان بمبدأ استحالة التناقض (الجمع بين النقيضين، وارتفاع  النقيضين) و(بعض القضايا الأخرى) فهذه قضايا مغروزة في القناعة والوجدان الإنساني  لا يحتاج للاستدلال عليها، وإلا دخل في طريق مسدود لأنّ الاستدلال نفسه يتوقف عليها  كما هو واضح.

أما القدرات العقلية فهي نفس قدرة النفس الإنسانية على التأمل والتفكير وتجريد  القضايا من ملابساتها، والصعود من مرحلة الجزئيات إلى مرحلة الكليات، والقيام بقياس  الأشياء للوصول إلى تصورات جديدة والتخطيط الذهني لمراحل غير موجودة على صعيد  الواقع القائم. إن هذه القدرة الذهنية هي من مختصات الإنسان وهي سرّ مسيرته  التكاملية وإبداعه ونموّه.

وأما الميول الغريزية فهي التي تقوده نحو كماله وتدفعه للاستفادة من طاقاته في  هذا المجال؛  من هذه الميول: ميله نحو الكمال، والسير نحو الكمال المطلق، ومحاولة سد جوانب  العجز في وجوده، والركون إلى هذا المطلق القادر، وأداء حقه وشكر نعمه والقيام بحق  طاعته؛ فهذه أمور يجدها الإنسان مغروزة في الطينة الإنسانية وإن اختلفت تجلياتها  وتعددت أساليبها، وربما غطت الشبهات على هذه الميول وكبتتها.

ومنها أيضاً غريزة حب الذات، والعمل على تحقيق طموحاتها، فهي من الغرائز الأصلية  في الإنسان والتي لا يمكن تجاوزها والقضاء عليها، كما تصورت الماركسية يوماً ما  أنها ظاهرة فوقية يمكن حذفها من الوجود الإنساني من خلال تحريم الملكية.

ومنها التذوق الفني، والابتهاج لعناصر الجمال التي يزخر بها هذا الكون.

وعلى هذا فالذي يبدو لنا بكل وضوح أيضاً أن مسألة الإيمان بنظرية الفطرة  الإنسانية يفسح المجال للحديث عن جملة مفاهيم من قبيل مفاهيم (الحقوق) و(التكاليف)  و(العدالة) و(الإنسانية) و(الأخلاق) و(الذوق الفني العام) و(القيم المشتركة)  و(الحضارة) و(الحوار) و(الدين) و(المعرفة) و(التصديق) و(المنطق) بل وحتى (البرهان  والاستدلال) و(العلم) لأنهما يعتمدان على عنصر ثابت بدونه لا تسلم لهما حدود  ومعالم.

وبدون الإيمان بهذه النظرية يبقى الإنسان حبيس نفسه ولا يتصل إلا بصوره الذهنية  - كما يعبر جورج باركلي - بل يمكن القول بأنه لا يستطيع الإيمان بذاته هو وهذا  منتهى الخواء.

وبدونها فكل حديث عما مضى إنما هو حديث بلا معنى كما نتصور. وهذه حقيقة كبرى  تصطدم بها الاتجاهات المادية بقوة، ومن هنا جاءت النصوص الإسلامية لتؤكد على   (الفطرة) وإن الدين في الحقيقة ينسجم مع (الفطرة) لأنها واقع أصيل والدين مشروع  واقعي لإصلاح الإنسان يقول تعالى :  ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك  الدين القيم ﴾ (الروم/ 30. ) .وهذه الآية الكريمة تقرر كما يقول الإمام الشهيد الصدر(قدس سره)  في كتابه «اقتصادنا» (ص 312):

أولاً: إن الدين (بكل مافيه من حقوق وتكاليف ومنظورات للعدالة) هو من شؤون  الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها جميعاً لا تبديل لخلق الله.

ثانياً: إن هذا الدين الذي فطرت الإنسانية عليه ليس هو إلا الدين الحنيف الخالص،  أما أديان الشرك والإيمان بالإلهة الوهمية النسبية فهي لا يمكن أن تحلّ المشاكل  الإنسانية.

يقول سيدنا يوسف لصاحب السجن: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سمّيتموها أنتم  وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ (يوسف/ 40) .

وثالثاً: إن الدين الحنيف الذي فطرت عليه الإنسانية يتميز بكونه ديناً قيماً على  الحياة قادراً على التحكم فيها وصياغتها في إطارها العام.

ذلك أن المسألة الاجتماعية المهمة في تاريخ الإنسان هي التعارض الذي ينشأ بين  المصالح الفردية (وهي تؤدي لأن يتصور الإنسان لنفسه حقوقاً في الحصول عليها بمقتضى  حب ذاته) و(المصالح الاجتماعية) التي يطرحها النظام الاجتماعي الذي يعيشه ويفرض  عليه (تكاليف) تجاهها باسم (العدالة)، وهذا التناقض بين المصالح الفردية  والاجتماعية لم يستطع العلم أن يحلّه، فإن علم الإنسان لن يقف مطلقاً أمام ترجيح  مصالحه الشخصية.

ولم تستطع المادية التاريخية من خلال قوانينها التاريخية أن تقدم الحلّ ويبقى  للدين الحل النهائي لهذا التعارض وتحقيق العدالة وذلك من خلال ربطه بين المصالح  الذاتية وسبل الخير إذ يقول القرآن الكريم: ﴿ ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو  مؤمن فأولئك يدخلون الجنة، يرزقون فيها بغير حساب﴾ (غافر/ 40) ويقول: ﴿ من عمل صالحاً  فلنفسه، ومن أساء فعليها﴾ (فصلت/ 46)  . وهكذا تتلاحم المصلحة الفردية والمصلحة الاجتماعية و(الحقوق) و(التكاليف)  تلاحماً رائعاً ينفي التعارض.

وهنا يؤكد المرحوم الشهيد الصدر (قدس سره):

 «فللفطرة الإنسانية إذن جانبان، فهي من ناحية تملي على الإنسان دوافعه الذاتية  التي تنبع منها المشكلة الاجتماعية الكبرى في حياة الإنسان (مشكلة التناقض بين تلك  الدوافع والمصالح الحقيقية للمجتمع الإنساني) وهي من ناحية آخرى تزود الإنسان  بإمكانية حل المشكلة عن طريق الميل الطبيعي إلى التديّن»(اقتصادنا، ص 310 - 312، طبعة مشهد) .

ونضيف إلى ماسبق أن الإنسان بفطرته يطمح إلى (التغيير) أي تغيير الواقع الذي  يعيشه إلى الآفضل باستمرار، فهذا من نوازعه الفطرية التي قد تخمد لديه أحياناً  ولكنها لن تنمحي من صفحة الذات وهو مجهز بإمكانات التعالي على الواقع والخلاص من  ضغوطه وتصور الحالة الأفضل تصوراً إجمالياً - وربما كان تفصيلياً - ثم العمل على  تغيير الواقع إلى الصورة المفروضة، وهي حالة لا يتمتع بها أي حيوان آخر. ومن هنا  تنشأ عملية التغيير وتطبع الحياة الإنسانية بطابعها الحضاري دون غير الإنسان من  الموجودات.

وهكذا يمكن أن نقرر أن العملية الحضارية تحتاج في كل مراحلها إلى الإيمان بالقيم  الثابتة وعلى النحو التالي:

أولاً : في مرحلة إيمان الإنسان بذاته.

ثانياً: في مرحلة العبور إلى خارج الذات.

ثالثاً: في مرحلة صياغة الفكر وتكوين الصورة عن الحاضر والمستقبل انطلاقاً نحو  التغيير إلى الأفضل .

رابعاً: في مرحلة نقل الفكرة إلى الآخرين واستلام أفكارهم .

خامساً: في مرحلة السبر والتقسيم والتمحيص والتداول.

سادساً: في مرحلة الاستنتاج والاقتناع .

سابعاً: في مرحلة التخطيط للتغيير.

وأخيراً : في مرحلة تنفيذ التغيير وتحقيقه.

وخلاصة الأمر أن هناك تلازماً تاماً بين المسيرة الحضارية الإنسانية التغييرية  وعملية الحوار والإيمان بالقيم المشتركة والمطلقة.

 

القيم المشتركة مطلقة واقتضائية 

إننا وبالتحليل النفسي الوجداني الذي اعتمدناه في مسيرتنا هذه ندرك وجود  منظومتين من القيم أحداهما مطلقة التأثير لا تحدها حدود أو ظروف معينة والأخرى هي  قيم الحالة الطبيعية أو (قيم الأصل) مما يعني تحولها إلى النقيض أو فقدانها التأثير  المطلوب إذا طرأت ظروف أخرى.

ومن أمثلة المجموعة الأولى:

قيمة العدالة فهي مطلوبة مهما كانت الظروف و كذلك تقديم الشكر للمنعم المتفضل.

ومن أمثلة المنظومة الثانية:

حفظ الذات، حفظ الكرامة، التعاون، الدفاع عن المستضعفين و السلام والأمن،  التغيير إلى الأفضل، الرحمة، الإيثار، الأمانة.

فقد يكون الصدق في بعض الأماكن نتيجة ما يؤول إليه من تبعات ظلماً لا عدالة،  وكذلك السلام أحياناً بما يؤدي إليه من جرأة على حرمات الإنسانية. فإذا كانت  العدالة قيمة مطلقة فإن السلام قيمة نسبية نعمل على تحقيقها إذا عادت وجهاً من وجوه  العدالة، ونرفضها أن كانت ظلماً، ولكن التساؤل الأساس هو: ماهي معايير العدالة؟  وكيف نتأكد من تحقيقها.

إن الأديان السماوية كلها تؤكد على معيارين:

الأول: معيار تعبدي نستفيد فيه من علم العالم المطلق وهو الله تعالى وهو تعليمات  الدين الثابتة، والتي نتأكد من كونها صادرة من الله سبحانه؛ ذلك أننا نتأكد قبل ذلك  من علم الله الشامل، ومن لطفه ورحمته بالإنسان المخلوق ومن عدالته وتمتعه بكل صفات  الكمال، فهو لا يريد بالإنسان إلا الخير ولا يخدع الإنسان وإنما يكشف له كل الواقع  ويريد له كل الخير.

الثاني: معيار وجداني يكفي فيه التأمل في الأعماق وقناعاتها أو فلنعبر بأنه يكفي  فيه الرجوع إلى الفطرة نفسها.

وما يساعدنا في اكتشاف العمق الفطري هو كون هذه القناعة - أيّة قناعة كانت - من  ملازمات الطبيعة الإنسانية، ولذلك نجدها متوفرةً لدى كل أبناء الإنسان في مختلف  ظروفهم وحالاتهم الفردية والاجتماعية وأزمنتهم وأمكنتهم.

ولكي نتأكد من هذا المعنى نستطيع أن نطرح هذا السؤال على أي إنسان (هل تعتبر أن  السلوك الفلاني سلوكاً إنسانياً أم سلوكاً حيوانياً) فمثلاً لنركز على (قتل اليتامى  والعجزة والمستضعفين للتلهي والتشهي) مثل هذا السلوك يعد سلوكاً وحشياً من قبل أي  إنسان بلا ريب والقرآن الكريم أحياناً يعيد الإنسان إلى تأمله الوجداني وقناعته  الفطرية حينما يقول: ﴿أحلّ لكم الطيبات﴾ (المائدة/ 5) ويترك أمر تعيين الطيبات له ، ويقول   ﴿ إنّما حرّم ربّي الفواحش﴾ (الحشر/ 19) ويترك أمر تعيين الفواحش له أيضاً، ويعتبر الخروج عن  الحالة الإنسانية (فسقاً) وانحرافاً عن الطبيعة ﴿ نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم  الفاسقون﴾ (الأعراف/ 33).

وهكذا ننتهي إلى هذه الحقيقة وهي:

أن الأديان تؤمن بالفطرة الإنسانية، وأن الفطرة تقرر كون العدالة مطلوباً مطلقاً  وكون السلام مطلوباً إذا شكل مصداقاً من مصاديق العدالة، وتجلياً لها ومن هنا كان  التأكيد الدائم على (السلام العادل) تأكيداً إنسانياً صحيحاً.

السلام العالمي والموقف منه 

قلنا لا ريب في كون الأمان مطلباً إنسانياً فطرياً يستمد جذوره من أهم غريزة  وجدت في فطرة الإنسان، وهي غريزة (حب الذات). وهذه الغريزة تعمل مع باقي الغرائز  بشكل متناسق لتحقيق سير إنساني متوازن نحو الأهداف التكاملية العليا للإنسان، فلا  يكفي وجود الدوافع الغريزية لتأمين المسير المتوازن وإنما يجب تأمين جو طبيعي للذات  الفردية وللذات النوعية كي تدفعها تلك الدوافع نحو أغراضها المنشودة.

وتأكيداً من الفطرة نفسها على توفير الجوّ الأمن، نجد العناية الإلهية قد غرست  فيها بديهيات الحكمة، والميول نحو العدل، والنفور من الظلم والاعتداء، بل ومنحتها  القدرة على تعيين الكثير من مصاديق العدل والظلم، مما يمهد لها السبيل للاتصال  بالخالق العظيم وتقديم معاني الولاء له، وحينئذ تنفتح لها آفاق الوحي، وتكتشف بذلك  الأطروحة السماوية الرحيمة التي تعطيها المخطط الكامل للمسيرة، وتضمن لها كل ما  يوصلها إلى أهدافها.

فالأمن إذن حاجة إنسانية دائمة لا تغيّرها الظروف، وليس ظاهرة عرضية حتى يقال،  بأنها معلولة لوضع اجتماعي معين إذا ما تبدلت هذه الظاهرة معه. ومن هنا أيضاً  يكون من الطبيعي أن نتصور الحاجة إلى نظام شامل يتكفل حماية الأمن الفردي  والاجتماعي على مدى مسيرة الإنسان الطويلة.

ولا يمكننا أن نتصور حدوداً لمسألة حماية السلام والأمن إلا في إطار مسألة  التكامل الإنساني ذاتها، بعد أن ندرك أن الفطرة هي معيار الحقوق الإنسانية كلها  بشكل اجمالي، وأنها هي التي فرضت حماية الأمن الإنساني لتحقيق الهدف الكبير. وحينئذ  لن يقبل الأمن تحديداً إلا إذا خرج عن وظيفته الحياتية، وعاد عنصراً ضد الأمن نفسه،  فلا معنى إذن لضمانه.

وإلاّ فكيف نتصور الفطرة التي أعلنت الحاجة إلى الأمن وهي تسمح للفرد بالقضاء  على أمن نفسه هو، أو أمن الآخرين، وبالتالي على أمن المسيرة الإنسانية كلها دون أن  تحدده بما يردعه عن فعلته، حتى ولو كان ذلك بتهديد أمنه؟ 

الحوار بين الديانات واسع الأبعاد 

بعد ما سبق نستطيع بكل وضوح أن نقرر إمكان الحوار بشكل واسع الأبعاد بين الأديان  وذلك:

 1- لأنها جميعاً تؤمن بنظرية الفطرة الإنسانية وتوابعها .

 2- لأنها جميعاً تؤمن بقيم مشتركة كثيرة حتى ليلمح الإنسان تطابقاً تاماً في  أصول القواعد. وربما ذكر بعض المؤلفين المسلمين القدامى مجمل تعليمات المسيح  واعتبرها تعليمات إسلامية . 

وقد قام محققان فاضلان مسيحيان بإعداد بحث جيد عن القيم والقواعد المشتركة  للأحكام القانونية انتهيا فيه إلى نتائج جيدة فهما يقولان:

 (تكفي محاولة إقامة جسور حول السؤال الذي يطرحه الناس نساءً ورجالاً، عندما  يريدون أن يعيشوا بمقتضى إيمانهم: «ما هي مشيئة الله؟ ماذا يتوجب علي أن أفعل؟ » يبدو لنا أن الديانات الإبراهيمية الثلاث تسير في جوابها في اتجاه واحد)(10) .

وهما يقرران في النهاية: وحدة الناس في الله .

 3-  إن الأديان كلها تدعو إلى الحوار المنطقي ولما كانت الأديان هي روح الحضارات  فإن الحوار بينها يفسح المجال لحوار حضاري أصيل ممتد إلى مختلف المساحات الحياتية،  ويوجه الحوار الحضاري نحو مسارات أكثر إنسانية.

الحوار بين الحضارات ودور القيم فيه 

بعد ملاحظة ماسبق يمكننا القول أن السير الطبيعي للبشرية يقتضي أن يسود منطق  الحوار بين الحضارات - باعتبار أن الحضارات تحمل بشكل واضح بصمات الفطرة - اعترفت  بها بشكل فلسفي أو رفضتها . ولذا ففيها جوانب مشتركة تفسح المجال للحوار لا  محالة.

كما إننا ذكرنا من قبل أن الأديان تشكل جوهر الحضارات - حتى ولو أنكرت الحضارات  ذلك - وبالتالي تبقى التأثيرات الدينية واضحة المعالم وأخيراً نجد المجالات  المشتركة بين الأديان تفسح المجال لحوارات مشتركة بين الحضارات.

هذا بالإضافة إلى حقيقة امتدت مع البشرية وتعاظمت مساقطها باستمرار؛ وهي هذا  الترابط المصلحي بين عمار الأرض وساكنيها على مختلف الأصعدة.

وهو ترابط عبرت عنه طموحات الأديان العالمية، والفاتحين الكبار بشتى التعابير  منذ أقدم العصور، واشتد على مر الأيام حتى عدنا اليوم نشبه العالم بقرية صغيرة . والعالم هذا لم يصغر، ولكن وعينا لترابطه وشدة الالتحام بين أجزائه هو الذي أوصلنا  إلى هذه النتيجة.

فلم يعد بمقدور أي بلد أو دولة أن تخطط لبيئتها ولطاقاتها وقوانينها الجوية  والبحرية ومواصلاتها ومخابراتها بل وتعليمها وتربيتها وثقافتها ونهضتها واقتصادها  ودفاعها، بمفردها بعيداً عن ملاحظة مايجري في العالم.

ومن هنا نعتبر أن الاتجاه نحو العالمية اتجاه طبيعي لا معنى لمقاومته، بل يجب  تشجيعه ودعمه . وإذا كنا نقف بوجه (العولمة) ونعتبرها تحدياً خطيراً فإنما ذلك لأن  هذا النمط يعني تفسيراً خاصاً لهذا الاتجاه يصب في مصلحة القوة العظمى، أو فلنقل  يعني سيطرتها على مقود المسيرة وتحويلها لصالح أمة بعينها مهما كان الأمر، وأمركة  للعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية  والاجتماعية وغيرها بمختلف الوسائل وشتى السبل القمعية. ولذلك وصفت بالعولمة  المتوحشة والمجنونة و(إن تأكل أو تؤكل) وامثال ذلك.

وعلى أي فان الحوار هو مقتضى الترابط ووحدة المصير الإنساني ولا بديل له إلا  الصراع وهو منطق الغابة لا الإنسان بلاريب.

فيجب إذن تأكيد إنسانيته وتعميقها بتأصيل القيم الإنسانية فيه.

ويمكننا الحديث عن هذه القيم في ما يأتي كنماذج فقط وإلا فمجال هذه القيم واسع  جداً 

نماذج من القيم المشتركة التي يجب أن  تسود 

 1- قيم الحوار المنطقية.

وهي قيمٌ إنسانية ثابتة. لا تتغير باختلاف الظروف فيجب أن يكون الحوار قائماً  على مفروضات متفق عليها بين الطرفين وإلاّ لم يعد منتجاً.

ويجب أن يدخله الطرفان بروح طلب الحقيقة،وأن تكون أطراف الحوار بمستوى دراسة  الموضوع، ويجب أن يتوضح محور الحوار بشكل تام كما يجب أن يكون أمراً عملياً لا  طوبائياً.

ويجب أن تسوده روح احترام الآخر، كما يجب أن يتخلص من رواسب الماضي أيضاً.

ويجب أن يتم في جو حر بعيد عن الضغط والعنف والتحايل والضوضاء والتهويل . وغير ذلك من مقتضيات الحوار السليم . وأستطيع بكل اطمئنان أن أقول: إن القرآن الكريم أشار إلى كل هذه القيم الحوارية  الثابتة في إصالتها.

 2-  قيم العدالة ومعاييرها ومساحاتها.

فمهما اختلفت الآراء وتنوعت المذاهب فإنه تبقى هناك مساحات لا يختلف عليها  اثنان، وهل يختلف أحدٌ على ضرورة إعطاء الحق لأهله، وأن سلب الشعوب حقوقها في الأرض  والمصير ظلم، وإن التنمية والاستثمار الصحيح للموارد أمر حميد وغير ذلك.

فيجب إذن اكتشاف هذه المساحات والسعي لتعميمها وتعميم الالتزام بها.

 3-  الاتفاق على الحقوق الأساسية للإنسان، والسعي لتوسعة هذا الاتفاق ليشمل  الحقوق التفصيلية الأخرى، وهو أمر غير صعب إذا حسنت النوايا؛ لأن البحث بحث في عمق  الوجدان الإنساني وفي قيم تدرك بالفطرة الصافية.

 4- الاتفاق على حدود الحرية الإنسانية ومحاولة ترجمتها إلى معالم واضحة وتطبيقات  عملية.

 5- الانطلاق من القيم الإنسانية لتحديد الأيديولوجيات الهدامة: كالارهاب  والعنصرية و الاستبداد والتفرقة العنصرية والاستعمار وغير ذلك.

 6- وضع مبادئ سلامة البيئة وتعميمها .

 7- الاتفاق على مبادئ الفن الرفيع بما يخدم البشرية ويستجلي كوامنها.

 8- الاتفاق على القيم الاجتماعية ومقومات المجتمع السليم الخالي من الشذوذ  والتسيب.

 9- الاتفاق على نوع التخطيط للصراع ضد التحديات المتفق على رفضها من قبيل : الأمراض والفقر والجهل والأمية، والتخطيط لتقليل آثار الكوارث الطبيعية كالزلازل  والسيول والحرائق وغيرها .

 10- تنظيم الحقوق الدولية المشتركة في مجال الملاحة والمواصلات والمعلومات  وأمثال ذلك.

 11- بناء المؤسسات الدولية العاملة بمقاييس متعادلة واحدة بعيداً عن الازدواجية  والتفرقة .

 12- الوصول إلى آليات عملية لتعزيز التضامن وتعميم المسؤولية الإنسانية تجاه  عملية السلام ونشر العدالة.

معاً لتعميم منطق الحوار 

وفي ختام حديثنا المختصر هذا لابد أن ندعو بقوة لتعميم منطق الحوار بعد أن آمنا  بأنه أمر تقتضيه الحكمة والفطرة والعقل السليم، في قبال مقتضيات العاطفة الجامحة  والعصبية المقيتة والانحباس في بوتقة الماضي.

وفي هذا الصدد ندعو لتكوين أمة من المفكرين من كل الأطراف القائمة في الواقع  العملي تعمل على تهيئة الظروف لهذا التعميم، وتضع الخطة اللازمة لذلك، وأرى أن  نسميها بـ (الوسطية العالمية)، أسوة بما ندعو إليه ونسميه داخل الهوية الإسلامية بـ( الوسطية الإسلامية). وذلك انطلاقاً من إيماننا بأن هذه الوسطية لها مفهوم شمولي  يعم تصورنا عن الوجود (باعتباره متوازنا)، وموقف الإنسان منه موقفاً متوازناً، كما  يشمل تصورنا عن التاريخ والعوامل المؤثرة فيه، فضلاً عن كونه تعبيراً عن طبيعة  الإسلام وموقفنا منه أيضاً.

ومن هذا المنطلق (الوسطي) نرى أن تعتمد الخطة العالمية الدعوات التالية:

 1- الدعوة إلى التفرقة الجادة بين الثنائيات الحدية المتناقضة أو المتضادة بحكم  العقل القطعي من قبيل ثنائيات (الوجود والعدم) و(التوحيد والشرك) و(الاطلاق  والنسبية) وأمثالها، وبين الثنائيات اللاحدية أو المصطنعة من قبيل (أنا الخير  والآخر الشر) (أما محاربة الإرهاب أو الكون معه) (أما أن تكون ماركسياً أو فانت لا  تفهم الماركسية). (أنا التوحيد وما عداي الشرك) (أنا التمدن وما عداي التوحش ) (مبادئي هي منتهى التاريخ وما عداها هي التي يجب أن تزول) (أما أنا أو الهمجية)  وأمثالها، فإن النمط الأول مما يمكن الاتفاق  عليه وإن شكك في ذلك الماركسيون . أما النمط الثاني فهو من قبيل الأصنام الفكرية  التي تتم عبر عملية (تصعيد) ذهنية أو نفسية أو تاريخية أو عصبية فيتحول (النسبي)  فيها إلى (مطلق) وبالتالي يقيد كل عمليات التفكير ويمنع كل احتمالات التطور. نعم  يجب الإذعان للقيم الإنسانية المشتركة التي أشرنا إليها ودل عليها الوجدان.

 2-  العمل على إشاعة روح الانفتاح الواعي على الحاضر ، وعدم الانحباس الأعمى في  الماضي أو حتى في النظريات التي تم القبول بها مع احتمال وجود ثغرات فكرية فيها.

 3-السعي لتعميم ما قلناه من قبل؛ من أن كل الحضارات لابد أن تستقي من الفطرة  بعض مكوناتها، أو على الأقل نبقي احتمال استقائها وارداً وحينئذ تنفتح أمامنا كوى  الحوار.

 4-  الاتجاه نحو تعميق مفهوم التطور الفكري والابداع الجديد، وعدم التأثر بمفهوم  (ليس في الإمكان أبدع مما كان) وإبقاء روح اكتشاف الحقائق حية دافعة متدفقة.

 5- السعي نحو تعميم الإحساس الإنساني المشترك بالأخطار التي تهدد البشرية جمعاء  ولا تفرق بين حضارة وحضارة، وقومية وأخرى، ومنطقة وثانية كالمرض والجهل ونقص  المعنويات وتلويث البيئة وتفكك العائلة وسيادة منطق العدوان وغيرها.

 6- الدعوة إلى تغليب التعقل على عنصر التطرف فهو أمر يعمي البصيرة ويمنع من  التفكير بهدوء مهما كانت الأيديولوجية .

 7- السعي للتوصل إلى حل متوازن بين الاتجاه العالمي وبين احتفاظ الشعوب والأمم  بخواصها الثقافية وغيرها. وهذه الجادة الوسطى هي التي تضمن نجاح الاتجاه العالمي من  جهة لكيلا يصطدم بالعقبات الجادة، كما يحفظ  للبشرية والأمم ثرواتها المتنوعة على مختلف الصعد، فنحقق بذلك مبدأ فلسفياً  يقول بـ (الكثرة في عين الوحدة) .

 8- ضرورة تثقيف الجميع بأن مصالح الأمم هي جزء من ماتؤكد عليه قيمها. وحينئذ لن  يقوم هناك تناقض بين القيم والمصالح وتتهيأ فرص واسعة للحوار.

 9- تعميق الروح الموضوعية الإنسانية لمحو الروح الاستعلائية العنصرية من جهة  وعدم التأكيد على القيم الحضارية الخاصة واعتبارها قمة الانتاج الحضاري واعتبار  ماعداها تخلفاً . نعم يجب الإيمان بالقيم الإنسانية المشتركة.

وقبل أن ننهي حديثنا نؤكد أن بوادر الأمل بالمستقبل الواعد - من وجهة نظرنا  - كثيرة:

فهذا القبول العالمي بحوار الحضارات في الأمم المتحدة، وهذه اللقاءات المتتابعة  منذ الثلاثينات في القرن الماضي وعلى مختلف المستويات ، وهذا الانفتاح من قبل  المرجعيات الدينية المتنوعة على الحوار، وهذا الاتجاه الواسع نحو المعنويات ، وهذه  المعلوماتية المنتشرة والتي تكشف الحقائق أمام الجميع، كل هذا وغيره يعدنا بمستقبل  مثالي رغم ما نواجهه من تحديات العولمة المصلحية، والنظريات الاستعلائية، والظلم  الفاحش ضد الشعوب، والاحتلال والإرهاب الفردي والرسمي، والتعامل المزدوج. ذلك أننا  نؤمن ونرى أن قوى الخير تنتصر على عوامل الشر وفقاً لسنن الله في الحياة .

الصفحة الرئيسة

 

بقلم: أ.الشيخ محمد علي التسخيري (الأمين العام للمجمع العالمي للتقريببين المذاهب الإسلامية )