print اطبع
send أرسل لصديق
عباس محمود العقاد

 

عباس محمود العقاد ..الأديب  الكبير

 كان الأستاذ عباس محمود العقاد رجلاً واسع  الإطلاع قوي الشخصية عنيد الرأي واضح البيان رائع الأسلوب متعدد الجوانب صادق  الشاعرية مقبلاً على الحياة ذائع الصيت. فكان الكاتب السياسي والناقد الحاذق  والمؤرخ الكبير والشاعر المحلق. ومنذ أن لمع اسمه على صفحات الدستور الأسبوعية التي  كان محمد فريد وجدي يرأس تحريرها حتى وفاته كان العقاد خصب الانتاج متتابع النشاط  ذا وجود فعال في الساحة الأدبية بلا مراء .

وكانت بداية هذا العبقري في أرض  أسوان بجنوب وادي الكنانة في اليوم الأول من شهر يوليو سنة 1889م من أبوين يجدر  الإشارة إليهما لما لهما من كثير الصلة بطباع الأديب الكبير، وقد روى الأستاذ  الجبلاوي أن صورة العقاد أقرب إلى صورة والدته وكان الأستاذ الجبلاوي قد عرف العقاد  سنة 1920م أي بعد وفاة والد العقاد بعشر سنوات. وكان والد العقاد واسمه محمود  إبراهيم مصطفى العقاد مديراً لإدارة المحفوظات بمديرية أسوان وقد اشتهر بالتقوى  وكرم العنصر وعرف بالتنظيم في عمله وقد تسلم محفوظات الإدارة وهي في أسوأ حال فعكف  على تنظيمها وترتيبها حتى أصبح من اليسير الاستدلال على ما تفرق من أوراقها  المكدسة .

أما والدة العقاد فقد عرفت بالنشاط والتقوى. وجده لأمه هو محمد أغا  الشريف و يعزى نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض المراجع بينما يعزوه  أحد المراجع إلى العباس بن عبدالمطلب.
وكان العقاد يرسل لها بانتظام ثلث راتبه  من الكتابة الصحفية وعاشت حتى عام 1949م حيث ماتت والعقاد في الستين من  عمره .
سيرته العلمية والأدبية

دخل العقاد المدرسة بأسوان وكان مشتهراً بالتقدم في دروسه إلا أنه ترك  الدراسة بعد حصوله على الشهادة الابتدائية. وانكب على كتب الأدب يقرؤها مشتغلاً  بالتدريس وقد بلغ من نبوغه أن الإمام محمد عبده زار المدرسة وقرأ ما كتبه الطالب  العقاد فأعجب بذلك وقال: ما أحرى أن يكون هذا كاتباً بعد. وعندما كان العقاد في  الخامسة عشرة من عمره يدرس التقى لأول مرة بالزعيم مصطفى كامل رحمه  الله .

يقول العقاد: «رأيت مصطفى كامل لأول مرة وأنا في الخامسة عشرة كنت  ببلدتي في أسوان اشتغل مع زملائي بإحدى الدعوات المحلية وهي دعوة التطوع للتعليم  بالمدارس الأهلية. وخرج مصطفى كامل ذات صباح يتمشى على شاطىء النيل ومعه الكاتبة  الفرنسية مدام جوليت والإنجليزية مسز يونج فدعاه صاحب المدرسة الأهلية. ودخل مصطفى  كامل السنة الرابعة وفيها درس اللغة العربية - يقصد العقاد أنه كان المدرس - فجلس  مكان التلميذ الذي يكتب على اللوحة وأملى بيت أبي العلاء:

والمرء ما لم تعد نفعاً إقامته

غيم حمى الشمس لم يمطر ولم  يسر

وطلب من التلميذ شرح معناه فتلعثم التلميذ فاسعفت التلميذ معتذراً بأن  الغيم الذي لا يمطر في أسوان ولا يسير نعمة محبوبة وأن الغيم الممطر وغير الممطر  عندنا قليل».وفي عام 1905م والعقاد في السادسة عشرة يذهب إلى القاهرة وبدأ  في مقابلة الإعلام فالتقى في تلك السنة يعقوب صروف وجورجي زيدان ومحمد فريد الزعيم  الوطني .

وبدأت مقالاته تظهر على صفحات اللواء وكذلك قصائده. إلا أن أهم  منعطف في حياته هو عمله في صحيفة الدستور الأسبوعية. تعرف العقاد على الأستاذ محمد  فريد وجدي وكان كاتباً إسلامياً قديراً نابه الذكر وكان يعد العدة لإصدار صحيفة  أسبوعية ناطقة باسم الحزب الوطني شأنها شأن اللواء. وكان وجدي بحاجة إلى من يساعده  في التحرير. فتقدم العقاد بالطلب ووافق وجدي على طلبه. وصدر العدد الأول من الصحيفة  عام 1907م. وقد أعطى العقاد جهده تحريراً وكتابة معجباً بسعة اطلاع وجدي وتسامحه في  الرأي. وفي نفس العام تعرف العقاد على سعد زغلول الذي كان يومها وزيراً للمعارف . وأجرى العقاد بعد التعارف حديثاً مع سعد زغلول ووافق محمد فريد وجدي على نشرها رغم  عدم رضا الحزب الوطني عن سياسة سعد زغلول في وزارة المعارف. واستمر العقاد ينشر  المقالات وتعرف على صديقه الأستاذ إبراهيم عبدالقادر المازني الذي شاركه في الكتابة  في الدستور وفجعت مصر عام 1908م بوفاة مصطفى كامل واستمر العقاد في عمله بالدستور  حتى عام 1910م فترك العمل وتوفي والده في ذلك العام .
 
مؤلفاته

وأصدرت دار الهلال  للعقاد أول كتبه «خلاصة اليومية» عام 1912 وكذلك الشذور عام 1913هـ والإنسان الثاني  عام 1913م. وفي عام 1913 م أصدر عبدالرحمن شكري الجزء الثاني من ديوانه فكتب له  العقاد مقدمة قيمة. وفي عام 1914م قدم الجزء الأول من ديوان المازني. وجاء دور  العقاد ليخرج أول دواوينه عام 1916م وهو «يقظة الصباح». وقد احتوى الديوان على  قصائد عديدة منها «فينوس على جثة أدونيس» وهي مترجمة عن شكسبير وقصيدة «الشاعر  الأعمى» و«العقاب الهرم» و«خمارويه وحارسه» و«رثاء أخ» و«ترجمة لقصيدة الوداع » للشاعر الاسكتلندي برنز، ومن ذلك اليوم شجر الخلاف بين شداة الأدب. فالجميع متفق  على مكانة العقاد في النثر والنقد إلا أن شاعرية العقاد كانت مثار الخلاف فمنهم من  يرى أن لشعر العقاد مكانة عالية ومن أولئك د. طه حسين وإبراهيم عبدالقادر المازني  وعبدالرحمن شكري وعبدالرحمن صدقي وعلي أدهم وسيد قطب. ومنهم من رأى أن الرجل متوسط  القامة في الشعر من أمثال مارون عبود ومحمد مندور.

 وتقوم الحرب  العالمية الأولى وينفى سعد من البلاد وتتوثق صداقة العقاد مع زعيم الوفد ويصبح كاتب  الوفد الأول ويصيب شهرة مدوية في البلاد. وفي هذه الأثناء رجع شوقي من المنفى وبدأ  العقاد في تأليف كتاب «الديوان في النقد والأدب».. للهجوم على شوقي وقد اشترك  المازني معه في تأليف الكتاب الذي صدر عام 1921م، وقد بدأ العقاد في الهجوم على  شوقي متناولاً قصيدة شوقي في رثاء مصطفى كامل وهي قصيدة مطولة. وقد حاول العقاد  تأصيل منهج حديث لنقد الشعر يقول العقاد: اعلم - أيها الشاعر العظيم أن الشاعر من  يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها وان ليست مزية الشاعر أن  يقول لك عن الشيء ماذا يشبه وإنما مزيته أن يقول ما هو ويكشف عن لبابه وصلة الحياة  به. وليس هم الناس من القصيدة أن يتسابقوا في أشواط البصر والسمع وإنما همهم أن  يتعاطفوا ويودع أحسهم وأطبعهم في نفس إخوانه زبدة ما رآه وما سمعه وخلاصة ما  استطابه أو كرهه».وأصبح الكاتب ذائع الصيت واسع الشهرة في أنحاء العالم العربي ويصل  صوته جهيراً إلى أدباء المهجر من أمثال ميخائيل نعيمة الذي أرسل إلى الشاب العقاد  كتابه «الغربال» ليكتب له مقدمته فيوافق العقاد وتصدر الطبعة الأولى في دار الهلال . وفي عام 1922م أصدر العقاد كتابه «الفصول». وقد وضع الكاتب قلمه في ركاب سعد زغلول  والثناء عليه .

وفي عام 1923م كتب العقاد في صحيفة الأخبار التي رأس تحريرها  أمين الرافعي .

وبدأ العقاد  مقالاته في البلاغ الأسبوعية منذ صدورها سنة 1923م فكتب مقالاً أسبوعياً حتى عام  1929م وفي أثناء هذه المقالات توفي سعد زغلول صديقه. وأصدر كتابه «ابن الرومي » حائزاً اعجاب النقاد والقراء ..

وبعد شهر من صدور الكتاب أدخل العقاد السجن  بتهمة العيب في الذات الملكية. فلبث في سجن قرة ميدان لمدة تسعة أشهر

وخرج من غيابة السجن متابعاً مواقفه حتى حصل الخلاف بينه  وبين مصطفى النحاس. ففي عام 1933م قامت وزارة توفيق نسيم فأيدها مصطفى النحاس  وهاجمها العقاد.فاستدعى مصطفى النحاس باشا العقاد لمقابلته بمنزل النحاس  بالأسكندية.ووصل العقاد وكان معه محمد طاهر الجبلاوي. وكانت النهاية بين العقاد  وحزب الوفد وقد حارب الوفد العقاد فمنع من الكتابة في البلاغ الأسبوعي، فكتب العقاد  في الجهاد والأهرام في الثلاثينيات .

وفي الثلاثينيات أصدر العقاد «تذكار  جيتي» و«ديوان وحي الأربعين» و«حياة سعد زغلول» سنة 1936م.

وتقوم الحرب العالمية الثانية ويقف الأديب موقفاً معادياً  للنازية جلب له المتاعب. وأعلنت أبواق الدعاية النازية اسمه بين المطلوبين للعقاب .. وما إن اجتاحت جنود روميل الصحراء واقتربت من أرض مصر حتى تخوف العقاد لما لمقالاته  النارية من وقع على النازية تلك المقالات التي جمعها بعد ذلك في كتابين هما «هتلر  في الميزان» و«الحرب العالمية الثانية» فآثر العقاد السلامة وسافر عام 1943م إلى  السودان حيث احتفى به أدباء السودان حفاوة بليغة. وهزم النازي ورجع العقاد إلى  قاهرته .

وبعد الحرب، بدأ العقاد سلسلة كتبه الإسلامية حيث أصدر بين نهاية  الحرب وأوائل سنة 1950م عدداً منها مثل «عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم« و«مطلع  النور» و«عبقرية الصديق» و«عبقرية عمر» و «عبقرية الإمام علي » و « فاطمة الزهراء و الفاطميون » و«بلال مؤذن السماء» و«عبقرية الإمام» وغيرها.وفي 23 يوليو 1952م انتهى حكم أسرة محمد علي باشا وقد تميزت فترة الخمسينيات  عند العقاد بمزيد من الكتب الإسلامية مثل «ما يقال عن الإسلام» و«الإسلام في القرن  العشرين» و«المرأة في القرآن».

کما له کتب حول الاستکبار العالمي منها:
«هتلر في‌ الميزان‌»، «الاسلام‌ و الاستعمار»، «الصهيونيّة العالميّة»، «لاشيوعية و لا استعمار» و...
 
ماقالهُ النقّاد :
-بايعه طه حسين بإمارة الشعر بعد موت شوقي، وحافظ إبراهيم، قائلا: ضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه.
ويقول عنه أيضاَ : تسألونني لماذا أومن بالعقاد في الشعر الحديث وأومن به وحده، وجوابي يسير جدا، لماذا؟ لأنني أجد عند العقاد مالا أجده عند غيره من الشعراء... لأني حين أسمع شعر العقاد أو حين أخلوا إلى شعر العقاد فإنما أسمع نفسي وأخلو إلى نفسي. وحين اسمع شعر العقاد إنما اسمع الحياة المصرية الحديثة وأتبين المستقبل الرائع للأدب العربي الحديث .
- ويقول جابر عصفور عنهُ : فهو لم يكن من شعراء الوجدان الذين يؤمنون بأن الشعر تدفق تلقائي للانفعالات ... بل هو واحد من الأدباء الذين يفكرون فيما يكتبون، وقبل أن يكتبوه، ولذلك كانت كتاباته الأدبية (فيض العقول)... وكانت قصائده عملا عقلانيا صارما في بنائها الذي يكبح الوجدان ولا يطلق سراحه ليفيض على اللغة بلا ضابط أو إحكام، وكانت صفة الفيلسوف فيه ممتزجة بصفة الشاعر، فهو مبدع يفكر حين ينفعل، ويجعل انفعاله موضوعا لفكره، وهو يشعر بفكره ويجعل من شعره ميدانا للتأمل والتفكير في الحياة والأحياء. .
- أما زكي نجيب فقد قال يصف شعره : إن شعر العقاد هو البصر الموحي إلى البصيرة، والحسد المحرك لقوة الخيال، والمحدود الذي ينتهي إلى اللا محدود، هذا هو شعر العقاد وهو الشعر العظيم كائنا من كان كاتبه ... من حيث الشكل، شعر العقاد أقرب شيء إلى فن العمارة والنحت، فالقصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى هرم الجيزة أو معبدالكرنك منها إلى الزهرة أو جدول الماء، وتلك صفة الفن المصري الخالدة، فلو عرفت أن مصر قد تميزت في عالم الفن طوال عصور التاريخ بالنحت والعمارة عرفت أن في شعر العقاد الصلب القوي المتين جانبا يتصل اتصالا مباشرا بجذور الفن الأصيل في مصر .
- وأما الناقد اللبناني مارون عبود فقد قال :‏ طالعت دواوين ثلاثة للعقاد أنفق علي تحبيرها برميل حبر وقنطارا من الورق وغابة من الأقلام‏.‏ تحسبه سمسارا يصدر شعرا في دواوين وبضاعته أشكال وألوان‏،‏ فكأنه دكان قرية فيه جميع حوائج البيت‏،‏ وليس الذنب ذنب الأستاذ‏،‏ فهو عارف بأصول الفن،,‏ ولكن الكلام يستعصي عليه،,‏ نفسه تطلب ومعدته لا تقطع،,‏ فيقعد ملوما محسورا،,‏ خذ هذا العنوان الرائع عيد ميلاد في الجحيم‏.‏ فماذا ترى في هذه القصيدة وهي خير ما في ديوانه وحي الأربعين؟ بيانا دون الوسط‏،‏ وشعرا أجش، تغلب عليه صنعة النثر وصبغته‏، وعلي ضوء قوله إنما الشاعر يشعر ـ بفتح الياء وضم العين ويشعر ـ بضم الياء وكسر العين رحت أفتش في جحيمه ولا نور يهديني،‏ فما وجدت خيالا يرضيني‏،‏ ولا شعورا يسليني‏،‏ فعدت بخيبة أردد‏:‏ مالي لا أري الهدهد‏! .. القصيدة غراء فرعاء أي طويلة ممشوقة مصقول ترائبها أي ناعمة الصدر ولكنها مقعدة تخلو من الاهتزازات والنبرات والصدى البعيد‏،‏ أنكون في جهنم ونبرد؟ أنحضر عيدا‏..‏ ونحزن؟ ثم نقول‏:‏ إن الشاعر من يشعر ويشعر؟‏‏ " ، ومعلقا على هذه الأبيات للعقاد من ديوان( عابر سبيل ) فيما نصّه : " مقفرات مغلقات محكمات كل أبواب الدكاكين علي كل الجهات تركوها‏...‏ أهملوها يوم عيد عيدوه ومضوا في الخلوات البدار‏...‏ ما لنا اليوم فرار أي صوت ذاك يدعو الناس‏...‏ من خلف جدار أدركوها‏...‏ أطلقوها ذاك صوت السلع المحبوس‏...‏ في الظلمة ثار" ، قال: " ماذا نقول؟ أما في مصر عاقل ينصح هذا الرجل؟ المروءة يا ناس‏!‏ أنقذوا أخاكم‏، وكفوا عنا شعروركم ".
- وقال الدكتور عثمان أمين في مجلة الهلال في عددها الخاص عن العقاد الصادر سنة 1967م: العقاد رائد من روّاد الوعي الانساني في الشرق العربي ، وأثر العقاد على حياتنا الروحية أثر لا سبيل إلى إغفاله أو التهوين من قدره مهما تقوّل المتقوّلون ، وما من شك عند المنصفين أن النهضة الفكرية المصرية قد بلغت بجهده ويقظتهِ مرحلة لم تكن لتبلغها بدونه . فهو في تاريخ أمتنا العربية " معلَمَة " ضافية شاملة لم ينقطع يوما في حياته الزاخرة عن أعمال ذهنه تطلعاً إلى المعرفة ، وتأملا في الكون ، وتفصيلا لأسرار النفس ، حتى ظفر بمقام " الأستاذية " بمعناها الصحيح . فكان في أحاديثه ومقالاته ومؤلفاته أستاذا أصيلا ضليعاً ، واستطاع في حياة قلمه اليانعة المتعددة الجوانب أو يؤدي - في حُب وإخلاص - المهمة الرئيسية لكليات الانسانيات في جامعات العصر الحديث ، وأضحى نورا باهرا يشع على مجالات الأدب والصحافة والسياسة والتاريخ والفن والدين .